اليوم...
لم يكن يومًا عاديًا.
كان نهارًا قصيرًا بما يكفي ليقنعني أن العمر لا يُقاس بعدد السنوات، بل بعدد اللحظات التي نشعر فيها أننا أحياء.
لم نفعل شيئًا يغيّر العالم.
لم نصنع حدثًا يستحق أن تكتبه الصحف.
كل ما فعلناه أننا عشنا سبع ساعات...
لكنها كانت كافية لتعيد ترتيب أشياء كثيرة داخلي.
اكتشفت في ذلك اليوم أن المدن لا تصنع الذكريات، وأن الطرق ليست سوى خطوط على الخرائط، وأن الطائرات لا تنقل الناس فقط، بل تحمل معها نسخًا مختلفة منهم.
كنت أسير إلى جوارك، بينما كنت في الحقيقة أسير نحو نسخة جديدة من نفسي.
نسخة تعرف أن الطمأنينة قد تكون إنسانًا، وأن الضحكة قد تصبح وطنًا مؤقتًا، وأن الصمت، حين يكون مع الشخص المناسب، يستطيع أن يقول أكثر مما تقوله اللغات كلها.
لا أتذكر كل ما تحدثنا عنه.
لكنني أتذكر كيف شعرت.
وأحيانًا...
الإحساس أصدق من الذاكرة.
عندما انتهى كل شيء، لم أعد أحمل حقيبتي وحدها.
كنت أحمل يومًا كاملًا، أخشى أن يبهت مع الوقت.
وكلما ابتعدت الطائرة عن الأرض، أدركت أن بعض الرحلات لا تنتهي عند الهبوط...
بل تبدأ بعد الفراق.
لهذا أكتب.
ليس لأنني أخشى أن أنسى.
بل لأن هناك سبع ساعات، في مطلع الشهر السابع من هذا العام، تستحق أن تبقى حيّة، حتى لو مضى العمر كله بعدها.
ذهبت .... ولم أعد أنا...
عدتُ بجسدي إلى حيث كنت، لكن شيئًا مني بقي هناك، مع الطريق الذي مشينا فيه، ومع الأماكن التي ضحكنا فيها، ومع تلك الساعات التي مرّت أسرع مما ينبغي.
لم يكن الوداع هو الأصعب…
الأصعب كان أن أعود إلى حياتي وكأن شيئًا لم يحدث، بينما كل شيء بداخلي قد تغيّر.
أدركت في تلك اللحظة أن بعض الأشخاص لا يأخذون معهم وقتًا من يومك فقط، بل يأخذون جزءًا من روحك، ويتركونك تحاول أن تعتاد على غيابها.
ذهبتِ…
وتركتِ خلفك مدينة كاملة من الذكريات، وصوتًا ما زال يتردد في رأسي، وحنينًا لا يعرف كيف يهدأ.
ومنذ تلك اللحظة، وأنا لا أفتقد اليوم…
أنا أفتقدك.
“كان صرحًا من خيالٍ فهوى.”
لم أفهم هذا البيت يومًا كما فهمته في تلك الليلة.
كنت أظن أن الصروح تُبنى بالحجارة، حتى اكتشفت أنها قد تُبنى أيضًا بنظرة، وبضحكة، وبطريقٍ يمتد من مطار طرابلس إلى شوارع تونس، ثم يعود إلى صالة المغادرة.
سبع ساعات فقط…
سبع ساعات كانت كافية لأرسم عمرًا كاملًا في رأسي؛ بيتًا لم يُبنَ، وصباحاتٍ لم تأتِ، وسفرًا لم يحدث، وأعيادًا لم نجتمع فيها، وأطفالًا لم يولدوا.
كنت أبني كل ذلك بصمت، بينما كانت الساعة تمضي أسرع مما ينبغي.
ثم جاء النداء.
نادوا على رحلتي أولًا، وكأن القدر أراد أن يعلمني أن بعض القصص لا تنتهي عندما يغادر آخر شخص… بل عندما يُنادى على اسمك لتترك كل شيء خلفك.
التفتُّ إليها للمرة الأخيرة.
ابتسمنا.
لم نقل شيئًا.
وكان ذلك الصمت أبلغ من ألف اعتراف.
في تلك اللحظة فقط، فهمت معنى قول إبراهيم ناجي:
“كان صرحًا من خيالٍ فهوى.”
لأن الصرح لم يكن نحن…
كان كل ما تخيلته بعد تلك الساعات السبع.
الناجية من النسيان ,, عبر الأزمان
كنتِ أكبر زمن.
الحب يمكن أن يولد ويموت، أما الزمن فلا يغادر صاحبه أبدًا.
كلما ظننت أنني عبرتك، وجدتك في تاريخ، أو مطار، أو شارع، أو أغنية، أو صورة لم أعد أتذكر لماذا التقطناها.
أحببت غيرك، وتزوجت، وصرت أبًا.
وفعلتِ أنتِ الشيء نفسه.
كأن الحياة كانت عادلة معنا إلى حد السخرية؛ تزوجنا في العام نفسه، وأنجبنا في العام نفسه، وكبر أولادنا معًا… بينما نحن كنا نتظاهر أننا لم نعد نعرف بعضنا.
ثلاثة عشر عامًا وأنا أحاول أن أكتب نهاية لهذه الحكاية.
وفي كل مرة، كانت الحياة تمزق الصفحة الأخيرة وتعيدني إلى البداية.
حتى جاء ذلك اليوم.
سبع ساعات فقط.
لا وعد فيها.
لا عتاب.
لا مستقبل.
ولا ماضٍ نستطيع إصلاحه.
جلسنا كغريبين يعرف كل واحد منهما أسرار الآخر أكثر مما يعرفها عن نفسه.
ضحكنا، وكأن البكاء أخذ إجازة قصيرة.
ومشينا، وكأن الزمن تعب أخيرًا من مطاردتنا.
ثم جاء النداء الأخير للطائرة.
اكتشفت عندها أن المطارات لا تفرق بين المسافرين.
كلهم يغادرون بالطريقة نفسها.
لكن بعضهم يترك نصف قلبه على كرسي في صالة انتظار، ويعود بالنصف الآخر إلى بيته.
منذ ذلك اليوم، لم أعد أبحث عنك.
ولم أعد أحاول نسيانك.
تعلمت أخيرًا أن بعض البشر لا يسكنون حياتنا…
بل يسكنون الزمن نفسه.
ولهذا، كلما تقدمت في العمر، التقيت بك من جديد.
فانص
لم تطلب سيجارة… كانت تطلب ذريعةً صغيرةً لتختبر المسافة بين روحين.
ناولتُها تلك التي كانت بين شفتي، دون أن أفكر أن الأشياء التي لامست أفواهنا لا تعود أشياء، بل تصبح اعترافات صامتة. ارتشفتها كما لو أنها تعرف أن بعض القرب لا يحتاج إلى موعد، وأن بعض الحميمية تولد في أبسط التفاصيل.
نظرتُ إليها مبتسمًا وقلت: “يا فانص.”
لم أغلف الكلمة بتفسير، فهي تعرف أن الكلمات بين شخصين لا تحمل معناها الذي يعرفه الناس، بل معناها الذي تصنعه اللحظة.
ابتسمت، ونفثت الدخان ببطء، ثم قالت بالإنجليزية:
“It feels good to be فانص.”
ضحكتُ في داخلي. لم تكن تدافع عن نفسها، ولم تكن تعترض على الوصف، بل كانت ترتديه كما يُرتدى عطرٌ خفيف في مساء صيفي. كأنها تقول: إذا كان هذا يعني أنني أعيش اللحظة بلا خوف… فأنا كذلك.
عندها أدركت أن الدخان لم يكن يصعد إلى السماء وحده، بل كانت تصعد معه كل الحواجز التي كانت بيننا. وأن سيجارةً واحدة، انتقلت من فمٍ إلى فم، استطاعت أن تختصر حديثًا طويلًا عن الثقة، والجرأة، وذلك النوع من الألفة الذي لا يُكتب في الرسائل ولا يُقال بصوتٍ عالٍ.
بعض القصص لا تبدأ بعبارة “أحبك”…
بل تبدأ بسيجارةٍ واحدة، وابتسامةٍ تقول أكثر مما تستطيع اللغات كلها أن تقوله.
حين انتصر الزمن
لا أريد أن أعرف اليوم من كان المخطئ.
لقد تأخر السؤال كثيرًا، حتى صار الجواب بلا جدوى.
تعبت من المحاكمات.
ومن إعادة الحكاية كل مرة، كأن الحقيقة تختبئ في تفصيل نسيناه.
كل ما أعرفه...
أنني، كلما أغلقت بابًا بيننا، كنت أترك خلفه رجلًا لم يعد يشبه الذي يفتحه في المرة التالية.
كنت أعود.
لا لأنني كنت أجهل الطريق إلى الرحيل.
بل لأن قلبي، في كل مرة، كان يختار الطريق الذي يؤدي إليك.
سافرت إليك حين كانت المسافات تبدو أطول من الأعمار.
وانتظرتك في محطات لم تكن القطارات تصل إليها في موعدها.
ووقفت إلى جانبك يوم اختار الجميع أن يصدقوا الحكاية، واخترت أنا أن أصدق الإنسان.
لم أكن أبحث عن بطولة.
ولا عن مكافأة.
كنت أبحث عن طمأنينة صغيرة، تقول لي إن كل ما منحته للحب لم يذهب سدى.
لم أكن رجلًا كاملًا.
كنت أغضب أكثر مما ينبغي.
وأصمت حين كان يجب أن أتكلم.
وأقول في لحظات ضعفي كلماتٍ تمنيت لو استطعت استعادتها قبل أن تصل إليك.
وأنتِ أيضًا...
لم تكوني امرأة كاملة.
كنتِ تخطئين، ثم تحاولين إصلاح الخطأ، فيسبقك الزمن إلى كسر شيءٍ آخر.
وهكذا عشنا.
كلما أصلحنا نافذة...
انهار جدار.
وكلما عبرنا عاصفة...
وجدنا أخرى تنتظرنا.
لم يكن الحب هو الذي ينقصنا.
كان ينقصنا العمر الذي نملكه اليوم.
ذلك النضج الذي جاء متأخرًا، بعدما استهلكنا أجمل سنواتنا في تعلم الدرس نفسه.
واليوم...
لا أريد اعتذارًا.
فالاعتذارات لا تعيد الأعمار.
ولا أبحث عن تبرير.
فالقلوب لا تحاكم بعضها بعد كل هذا التعب.
كل ما أعرفه...
أننا كنا نستحق فرصةً أفضل من تلك التي منحها لنا الزمن.
ولو سألني أحدهم، بعد كل هذه السنوات، ما الذي خسرناه؟
لن أقول: خسرنا قصة حب.
فقصص الحب تُنسى.
أما نحن...
فقد خسرنا حياةً كان يمكن أن تكون أجمل...
لأن الزمن علّمنا كيف نحب...
بعد أن فات أواننا.
ما قيل قبل الرحيل
قبل أن يغلق الزمن بابه الأخير، منحنا مساءً هادئًا لم نكن نعلم أنه سيبقى حيًا إلى الأبد.
قدت السيارة بلا وجهة.
كالعادة...
كلما اقتربت النهاية، أصبحت الطرق أطول، وكأن المدن تشفق على العاشقين فتمنحهم إشارات مرور أكثر، وازدحامًا أطول، وشوارع لا تنتهي.
لم نتحدث كثيرًا.
استنفدنا الكلمات منذ سنوات.
كل ما كان بيننا، قيل.
وكل ما لم يُقل، صار أثقل من أن يُقال.
نظرت إليها، وسألتها سؤالًا لم أكن أبحث له عن جواب، بقدر ما كنت أبحث عن سلام.
قلت:
"بعد كل هذه السنين... ماذا تشعرين تجاهنا؟"
بقيت صامتة.
كانت تحدق في المدينة، كأنها ترى الأماكن للمرة الأخيرة.
ثم قالت بهدوء:
"أنا ضيعتك."
شعرت أن أحدًا فتح نافذة في صدري.
ثلاثة عشر عامًا...
ولم أكن أعلم أن جملة واحدة تستطيع أن تعيد ترتيب هذا الخراب كله.
لم ألتفت إليها.
كنت أخشى أن تخونني عيناي.
لكن بعض الدموع لا تستأذن أصحابها.
رأتني.
فسكتت قليلًا.
ثم ابتسمت ابتسامة حزينة، وقالت:
"لا...
أنت ضعت مني."
لم يكن في صوتها اعتذار.
ولم يكن فيه دفاع.
كان يشبه شخصًا وقف أخيرًا أمام بيتٍ احترق منذ سنوات، واعترف بأنه لم يعد يستطيع إنقاذه.
أكملت القيادة.
وأكملت هي النظر من النافذة.
ولم نتحدث بعدها إلا قليلًا.
كان كل واحد منا يظن، في أعماقه، أن هذه هي المرة الأخيرة التي سيرى فيها الآخر.
ولم يكن أحد منا يعلم...
أن القدر لم يكن قد قال كلمته الأخيرة بعد.
كانت حياتنا سلسلة من البوابات... وفي كل مرة كنا نظن أننا نعبر إلى المستقبل، كنا نعبر، دون أن ندري، إلى ذكرى جديدة.
حتى البوابة لا أتذكر رقمها.
مع أنني حفظته يومها كما يحفظ العاشق اسم المدينة التي يسكنها قلبه.
كل ما أتذكره...
أنها كانت آخر بوابة ظننت أنني سأقف عندها منتظرًا امرأة أحببتها.
ولم أكن أعلم...
أن بعض البوابات لا تفتح على الطائرات.
بل تفتح على العمر كله.
قبلة من زجاج
لا أتذكر اسم الفيلم.
ولا أظن أن أحدًا يتذكر الأفلام التي كانت مجرد عذر ليجلس طويلًا إلى جوار من يحب.
كل ما أتذكره...
أن الليل في القاهرة كان أهدأ من قلوبنا.
كانت المدينة تعيش خارج النافذة.
أما نحن، فكنا نعيش داخل غرفة صغيرة، يكفينا منها أريكة، وشاشة مضيئة، وقارورة شيفاز تتنقل بين يدينا.
لم نكن نشرب كثيرًا.
كنا نرتشف الوقت أكثر مما نرتشف الشراب.
وكانت تضحك كلما عبست من مرارة الرشفة الأولى.
ثم تعود وتأخذ رشفة أخرى، كأنها تتحدى نفسها.
وعندما لم يبقَ في القارورة إلا القليل، سبقتها إليها.
رفعتها إلى فمي، وتركت آخر رشفة تستقر لحظة قبل أن أبتلعها.
نظرت إليّ باحتجاج طفولي.
ثم اقتربت دون أن تقول كلمة.
وضعت يدها برفق على وجهي، وقبّلتني.
قبلة قصيرة...
هادئة...
سرقت بها آخر ما بقي من تلك الرشفة.
ثم ابتعدت وهي تضحك، كأنها انتصرت في لعبة صغيرة لا يعرف قوانينها سوانا.
ضحكت معها.
ولم يخطر في بالي، وأنا أراها تضحك بذلك الصفاء، أن السنوات ستسرق منا أشياء أكبر بكثير من رشفة ويسكي.
بعد كل هذا العمر...
لم يبقَ في ذاكرتي طعم الشيفاز.
لكنني ما زلت أذكر، بتفاصيل لا ترحم، ابتسامتها بعد تلك القبلة.
وأدرك الآن...
أن بعض الذكريات لا تعيش لأنها كانت عظيمة.
بل لأنها كانت بسيطة إلى الحد الذي لا يتكرر.
خريطة الجسد
لم أكن أحفظ وجهك كما يحفظ الناس الوجوه.
كنت أحفظك كما يحفظ المسافر طريق العودة إلى بيته.
كانت لكِ علاماتك الخاصة، تلك التي لا يلاحظها أحد، لكنها كانت بالنسبة إليّ خريطة كاملة.
في منتصف ظهرك، كانت تقيم انحناءة خفيفة، لا تكاد تُرى، لكنها كانت العلامة التي لو أطفأ العالم أنواره كلها، ومددت يدي أتحسس عمودك الفقري، لعرفت أنكِ أنتِ دون أن أرى وجهك.
وكانت أنيابك الصغيرة، كلما ضحكتِ، تمنح ابتسامتك شخصية لا تشبه أحدًا. لم تكن ابتسامة كاملة... كانت ابتسامتك أنتِ، وذلك كان يكفي.
وعلى الجانب الأيمن من عنقك، كانت تستريح شامة صغيرة، كأن الله وضع نقطةً أخيرة بعد أن انتهى من كتابة قصيدته.
لم أكن أتأملك لأنكِ أجمل النساء.
بل لأنني كنت أعرف أن العالم كله، لو اجتمع أمامي، فلن يحمل هذه العلامات مجتمعة إلا امرأة واحدة.
العجيب أن الزمن سرق مني أسماء شوارع، وأرقام بيوت، ووجوهًا كثيرة عبرت حياتي.
لكنه لم يستطع أن يبدل موضع تلك الشامة في ذاكرتي.
ولا شكل ابتسامتك.
ولا تلك الانحناءة الصغيرة التي كانت تقول ليدي، قبل عيني، إنكِ أنتِ.
أدركت متأخرًا أن الحب لا يحفظ الجمال...
الحب يحفظ العلامات.
تلك الإشارات الخفية التي يتركها الله في إنسان، ليهتدي إليه قلبٌ واحد، حتى لو أغمضت الدنيا عينيها كلها.